الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي
52
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
ذي حقّ حقّه ، إن خيرا فخير وإن شرا فشر . وَإِنْ كانَ أي العمل مِثْقالَ حَبَّةٍ أي وزن حبة ، مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها ، أي أحضرنا ذلك العمل للوزن . وقرأ نافع برفع « مثقال » على « إن كان » تامة . وَكَفى بِنا حاسِبِينَ ( 47 ) . أي محصين في كل شيء . وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ ( 48 ) . أي واللّه لقد آتيناهما كتابا جامعا بين كونه فارقا بين الحق والباطل ، وضياء يستضاء به في ظلمات الجهل ، لما فيه من الشرائع ، وذكرا يتعظ به الناس ، الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ ، حال من الفاعل ، أي يخشون عذاب ربهم حال كونهم في الخلوات منفردين عن الناس ، فخشيتهم من عقاب اللّه لازم لقلوبهم ، لا ، إن ذلك مما يظهرونه في الملأ ، أو حال من المفعول ، أي يخشون عذابه تعالى وهو غائب عنهم ، غير مشاهد لهم ، فيعلمون له تعالى ، وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ أي ما يجري في يوم القيامة من الحساب ، والسؤال ، والميزان ، مُشْفِقُونَ ( 49 ) أي خائفون ، فيعدلون بسبب ذلك الخوف عن معصية اللّه تعالى ، وَهذا أي القرآن ذِكْرٌ مُبارَكٌ أي كثير النفع غزير العلم ، أَنْزَلْناهُ ، على أشرف الرسل محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، أَ فَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ( 50 ) ؟ أي أبعد أن علمتم أن شأن القرآن ، كشأن التوراة ، في كونه منزّلا من عندنا ، فأنتم يا أهل مكة جاحدون للقرآن ، خاصة دون كتاب اليهود ، فإنهم كانوا يراجعون اليهود فيما عنّ لهم من المشكلات . وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ ، أي اهتداءه لوجوه الصلاح في الدين والدنيا ونبوته ، مِنْ قَبْلُ أي من قبل إيتاء موسى وهارون التوراة ، وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ ( 51 ) ، أي بأنه لائق بما آتيناه ، يقوم يحقه ، ويجتنب ما ينفّر قومه من القبول . إِذْ قالَ إبراهيم ، لِأَبِيهِ آزر ، وَقَوْمِهِ : - نمروذ بن كنعان - وأصحابه : ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ ( 52 ) . أي ما هذه الصور التي أنتم عابدون لها ، وكانت تلك الأصنام اثنين وسبعين صنما بعضها من ذهب ، وبعضها من فضة ، وبعضها من حديد ، وبعضها من رصاص ، وبعضها من نحاس ، وبعضها من حجر ، وبعضها من خشب ، وكان كبيرها من ذهب ، مكللا من جواهر . في عينيه ياقوتتان تتّقدان ، تضيئان في الليل . قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ ( 53 ) ، فنحن نعبدها اقتداء بهم ، فلم يجدوا في جوابه إلّا طريقة التقليد . فأجابهم إبراهيم وأبطله على طريقة التوكيد القسمي بقوله ، قالَ لهم إبراهيم : لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ الذين سنّوا لكم هذه السنّة الباطلة ، فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 54 ) أي في خطأ بيّن ، بحيث لا يخفى على أحد من العقلاء ذلك ، والتقيّد إنما جاز لمن علم في الجملة أنه على الحق ، قالُوا أَ جِئْتَنا يا إبراهيم في قولك هذا بِالْحَقِّ إن بالجدّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ ( 55 ) ؟ أي من الممازحين بنا فيه . قالَ إبراهيم : بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ أي خلقهنّ على غير مثال سبق ، وهو الذي خلقها لمنافع العباد ، وهو الذي يستحق أن يعبد لأن من يقدر على ذلك ، يقدر على أن يضر وينفع في الدار الآخرة بالعقاب ، والثواب . وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ أي كون ربكم رب